جدة ٢٤ أبريل ٢٠٢٤: تؤكد الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي، بمناسبة “اليوم العالمي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام ٢٠٢٥”، التزامها الراسخ بأن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعزيز وحماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، كما وردت في المبادئ النبيلة للإسلام ونصت عليه الصكوك العالمية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من الدعوات الدولية المتكررة، فإن التجاهل الصارخ للجهود المتعددة الأطراف والقنوات الدبلوماسية قد قوّض بشدة مصداقية وفعالية تعددية الأطراف والدبلوماسية المعاصرة، مما يستلزم تجديد وتعزيز تعددية الأطراف الراسخة في القانون الدولي والعدالة وحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة أن السلام ليس مجرد غياب الصراع، بل ويستلزم أساسا وجود العدالة والكرامة واحترام حقوق الإنسان. ويوفر القانون الدولي لحقوق الإنسان البوصلة والمنارة الأخلاقية والقانونية لبناء مجتمعات سلمية وعادلة وشاملة. كما يكرس الكرامة المتأصلة لكل إنسان ويضع معياراً عالمياً يتجاوز الحدود والسياسة والأيديولوجيات، مما يعني أن الدبلوماسية بدون حقوق تبقى مترهلة وهشة؛ وتعددية الأطراف بدون عدالة تغدو فقيرة وناقصة. وبعبارة أخرى، يتطلب السلام الحقيقي والمستدام أن تتجاوز الدبلوماسية مستوى مجرد مفاوضات الوصول إلى السلطة لتصبح قناة ومنبراً لحماية الأرواح ومعالجة المظالم وضمان المساءلة. وعليه، لا يمكن لأي دولة بمفردها ضمان السلام أو معالجة الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك عدم المساواة والتهميش والقمع المنهجي. من خلال المؤسسات متعددة الأطراف والأطر القانونية الدولية، يتحمل المجتمع العالمي مسؤولية دعم حقوق الإنسان وكبح الفظائع.
وبنفس المناسبة، تشدد الهيئة على أن المشهد العالمي الحالي مشوه بتصاعد الصراعات، وتفاقم ممارسات الظلم، وانهيار الثقة في الآليات الدولية الرامية إلى صون السلام. إن الفظائع التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك أعمال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تُعدّ شهادة مأساوية على فشل النموذج الحالي للدبلوماسية وتعددية الأطراف. وهذا ما يؤكده العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي أسفر عن الإبادة الجماعية المستمرة للفلسطينيين الأبرياء على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي وفقدان أرواح أكثر من 51,000 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال الأبرياء. كما تسبب الحصار المستمر في كارثة إنسانية ذات أبعاد مروعة، مما يعرض حياة ملايين الفلسطينيين للخطر. ويمثل هذا العدوان المهيمن والمنهجي مظهراً صارخاً من مظاهر الإفلات من العقاب والحرمان من العدالة. إن السعي إلى تحقيق العدالة واستعادة الكرامة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليسا مجرد واجبات أخلاقية فحسب، بل هما أيضاً أمران أساسيان لتحقيق سلام دائم في المنطقة. والحق يٌقال، رغم القرارات المُلزمة الصادرة عن هيئات قانونية دولية، كالمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لا يزال الإفلات من العقاب مستمراً. هذا الغياب المُستمر للمساءلة يُشجع نظام الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار ويُديم ممارسات العنف المتكررة بلا هوادة.
كما لاحظت الهيئة أنه في الوقت الذي يواصل فيه العالم مواجهة مستويات غير مسبوقة من الصراعات والمعاناة الإنسانية، لا يزال عدد غير متناسب من الصراعات قائماً داخل الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. فقد وقعت أكثر من 80% من وفيات الصراعات العالمية، وما يقرب من 90% من وفيات الإرهاب العالمي، في دول منظمة التعاون الإسلامي. واضطر ملايين الأشخاص إلى النزوح والهجرة ومغادرة ديارهم. وينحدر ثلثا لاجئي العالم من دول منظمة التعاون الإسلامي[1]. وقد ألحقت هذه الصراعات خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية لا تُحصى بالسكان الأبرياء، مما أعاق جهود التنمية وقوض الاستقرار الإقليمي والعالمي.
وعليه، تؤكد الهيئة على ضرورة مواجهة جميع أشكال العنصرية والتمييز، ولا سيما التصاعد المقلق لظاهرة الإسلاموفوبيا، التي تُغذي التهميش والعنف والإقصاء الاجتماعي على الصعيد العالمي. وفيما يخص تطبيع خطاب الكراهية، والتمييز العنصري، والتعصب الديني، فقد أشارت الهيئة بانه يقوض مُثُل الأمم المتحدة ومبادئ تعددية الأطراف عل حد سواء.
كما تشدد الهيئة على أن الطريق إلى السلام الدائم يجب أن يُمهّد من خلال دمج دبلوماسية حقوق الإنسان مع مركزية حقوق الإنسان واحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي كركائز أساسية للحوكمة العالمية. يتطلب النظام العالمي العادل والمسالم الكرامة على الهيمنة، والحوار على الخلاف، والعدالة على الجغرافيا السياسية. في هذا السياق، تدعو الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بشدة إلى إعادة رسم إطار تعددية الأطراف والدبلوماسية، الذي يجب أن يكون شاملاً وقائماً على الحقوق، ويعكس مبادئ الإنصاف والتضامن واحترام كرامة الإنسان عوضاً عن المنفعة السياسية أو التطبيق الانتقائي للقانون الدولي. كما يجب أن ترتكز الدبلوماسية والتعددية على (أ) احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، (ب) الالتزام الثابت بالعدالة والمساءلة، و(ج) القضاء على الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك الحرمان الهيكلي والمنهجي من التمتع بالحقوق.
بمناسبة “اليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام 2025” ، الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي تدعو إلى إعادة هيكلة جذرية للدبلوماسية العالمية وتعددية الأطراف لتشمل دعم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية في صميم النموذج المتطور للتعددية والدبلوماسية.
