جدة، 30 يوليو 2025: انضمت الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي إلى المجتمع الدولي في إحياء “اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص”، وأدانت تصاعد جريمة الاتجار بالأشخاص حول العالم، لا سيما في سياق النزاعات، والعيش تحت الاحتلال، لا سيما الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، والتهجير القسري، والهجرة، والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. ويدعو الشعار العالمي للاحتفاء هذا العام، “الاتجار بالبشر جريمة منظمة: ضعوا حدًا للاستغلال”، جميع الجهات المعنية إلى القضاء على الأسباب الجذرية لهذه الجريمة، وضمان محاسبة الشبكات الإجرامية المتطورة التي تعمل في ظل إفلات من العقاب، وحماية الأشخاص الذين يعيشون في ظروف هشة، بمن فيهم المهجرون قسرًا واللاجئون والنساء والأطفال.
وقد سلطت الهيئة الضوء على أن الاتجار بالبشر، الذي يُعرَف على نطاق واسع بأنه شكلٌ حديث من أشكال العبودية، يتجلى في أشكال استغلالية مُختلفة، بما في ذلك العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والاستعباد المنزلي، والتسول القسري، والاتجار بالأعضاء، وتجنيد الأطفال. ويعاني الضحايا، الذين غالبًا ما يُخدعون أو يُجبرون أو يُختطفون، من أشكال مُختلفة من الاستغلال ويتعرضون لمعاملة مُهينة. وتُعد الأسباب الجذرية للاتجار بالبشر مُعقّدة ومترابطة، وتشمل الفقر، والصراعات المسلحة، وعدم المساواة داخل المناطق وفيما بينها، وضعف التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وضعف إنفاذ القانون، والفساد. كما برز النزوح القسري بسبب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والنزوح الناجم عن تغير المناخ، والاحتيال الإلكتروني كعوامل مُمكّنة لهذا الاتجار.
وتلفت الهيئة الانتباه بشكل عاجل إلى الممارسات الممنهجة وغير القانونية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، وخاصة في قطاع غزة، والتي قد ترقى إلى مستوى الاتجار بالبشر بموجب القانون الدولي. وتشمل هذه الممارسات الاختطاف والنقل القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لمئات المدنيين الفلسطينيين، من بينهم أطباء وعاملون في المجال الإنساني وصحفيون وأطفال. وقد وثقت تقارير موثوقة اختطاف كوادر طبية مباشرة من المستشفيات، واستهداف قوافل الإغاثة والصحفيين، ونقل المدنيين قسرًا عبر الحدود إلى مراكز احتجاز داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث يُحتجزون غالبًا دون تهمة، ويُحرمون من التمثيل القانوني، ويتعرضون للإيذاء البدني والإذلال والتعذيب.
ولاحظت الهيئة بقلق بالغ تصاعد جرائم الاتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم كما ورد في التقرير العالمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بشأن الاتجار بالأشخاص لعام 2024[1] مما يشير إلى أن النساء والأطفال يتحملون العبء الأكبر من هذه الجريمة. ويُعدّ العمل القسري (42%) الآن الشكل السائد للاستغلال، يليه الاستغلال الجنسي (36%)، كما أن ممارسات الاتجار الإلكتروني آخذة في الازدياد. وقد شكّلت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (31%) النسبة الأكبر من التدفقات المرصودة العابرة للحدود. واستُغلّ 58% من ضحايا الاتجار داخل الحدود الوطنية، بينما شمل 42% منهم حركةً عابرة للحدود. وكانت الوجهات الأكثر تضررًا هي غرب وجنوب أوروبا والشرق الأوسط. ورغم هذه الاتجاهات الصاعدة، لا تزال مساءلة الشبكات الإجرامية، للأسف، محدودة، لا سيما فيما يتعلق بالاتجار بالعمالة.
وقد أكدت الهيئة بشكل قاطع أن الاتجار بالأشخاص يتناقض مع المبادئ الإسلامية التي تصون كرامة الإنسان والعدالة والحماية من الاستغلال. حيث يحرم الإسلام بشكل قاطع جميع أشكال الاستعباد والإكراه ويعزز العدالة الاجتماعية والرحمة وحماية من يعيشون في ظروف هشة. وتتوافق هذه المبادئ مع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان بموجب صكوك مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل التي تضمن الحقوق التي ينتهكها الاتجار بالأشخاص، بما في ذلك التحرر من العبودية والعمل الجبري والمعاملة اللاإنسانية. وعلاوة على ذلك، فإن الأطر المعيارية لمنظمة التعاون الإسلامي المنعكسة في ديباجة ميثاق منظمة التعاون الإسلامي وإعلان القاهرة لمنظمة التعاون الإسلامي بشأن حقوق الإنسان (المادة 1) وخطة عمل منظمة التعاون الإسلامي للنهوض بالمرأة، تحظر بشكل قاطع العبودية والاستعباد والعمل الجبري والاتجار بجميع أشكاله وتحت أي ظرف من الظروف.
وبينما تؤكد الهيئة على أن الاتجار بالأشخاص يُعد انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان وشكلًا من أشكال الجريمة المنظمة، فإنها ملتزمة التزامًا راسخًا بمكافحة هذه الجريمة بالتعاون مع الدول الأعضاء ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة. وتماشيًا مع هذه الالتزامات، تخطط الهيئة لتنظيم ندوة دولية تجمع الخبراء وصانعي السياسات والمجتمع المدني لاقتراح استراتيجيات عملية وآليات تعاونية لمنع الاتجار بالأشخاص والتصدي له داخل الدول الأعضاء وخارجها.
وتوصي الهيئة بما يلي: (أ) ينبغي على الدول الأعضاء اعتماد وإنفاذ التشريعات الوطنية الشاملة لمكافحة الاتجار بالبشر وخطط العمل الوطنية القائمة على حقوق الإنسان وتعزيز التعاون في مجال الحدود وإنفاذ القانون لتفكيك شبكات الاتجار الإجرامية؛ (ب) يمكن للأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي وضع استراتيجية موحدة لمكافحة الاتجار بالبشر داخل منطقة منظمة التعاون الإسلامي وإدراجها في أولويات برنامج عمل منظمة التعاون الإسلامي 2025-2035 لضمان استجابات تركز على الضحايا مع التركيز على الناجين من النساء والأطفال؛ (ج) التعاون الدولي من أجل اعتماد إطار معياري عالمي لمكافحة الاتجار بالبشر وتحقيق الحق في التنمية لسد الفجوات في التنمية على الصعيد الإقليمي لمعالجة الأسباب الجذرية للاتجار بالبشر بمختلف أشكاله ومظاهره؛ و(د) الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية كسبب لأشكال خطيرة من الاتجار بالبشر تتطلب محاسبة نظام الاحتلال والحماية العاجلة للفلسطينيين مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والأطفال والنازحين.
بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص 2025، الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان تدين تفاقم هذه الآفة بجميع أشكالها ومظاهرها، وتدعو إلى اعتماد آليات عالمية قائمة على حقوق الإنسان للقضاء على أسبابها الجذرية، ووضع آليات معيارية لمحاسبة المجرمين، وتعزيز التعاون الدولي.
